عبد الملك الثعالبي النيسابوري
132
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
فلما شارف المقصد قضى نحبه ، ولقي بصحيفته السوداء ربه . * * * 32 - أبو محمد المطراني ، الحسن بن علي بن مطران شاعر الشاش وحسنتها وواحدها ، فإنها وسائر بلاد ما وراء النهر لم تخرج مثله إلا أبا عامر إسماعيل بن أحمد بعده ، وكان ابن مطران بخير وحسن حال يرد الحضرة بالمدح ، وينصرف بالمنح ، ويتصرف في أعمال البرد بما يرتفق به ويرتزق منه ، وشعره مدون كثير اللطائف . حدثني السيد أبو جعفر محمد بن موسى الموسوي قال : كنت ببخارى كثيرا ما تجمعني وابن مطران ، فأرى رجلا مضطرب الخلقة من أجلاف العجم ، فإذا تكلم حكى فصحاء العرب ، على حبسة يسيرة في لسانه ، وكان يجمع بين أدب الدرس وأدب النفس ، وأدب الأنس ، فيطرب بنثره ، كما يطرب بشعره ، ويؤنس يهزله ، كما يؤيس بجده ، وقد عيره اللحام في بعض أهاجيه ، وكان بينهما سوق السلاح قائمة فيتهاجيان ويتهاتران ولا يكادان يصطلحان . وكان اللحام يربي عليه في الهجاء ، ولا يشق غباره في سائر فنون الشعر ، وبلغني أن ديوان شعر ابن مطران حمل إلى حضرة الصاحب فأعجب به فقال : ما ظننت أن ما وراء النهر يخرج مثله ، ومر له في الشراب المطبوخ [ من الوافر ] : وراح عذّبتها النار حتى * وقت شرّابها نار العذاب يذيب الهمّ قبل الحسولون * لها في مثل ياقوت مذاب « 1 » ويمنحها المزاج لهيب خدّ * تشرّب ماؤه ماء الشباب فتعجب من حسن البيت الأول وتحفظه ، وكان كثيرا ما ينشده ، ويقول :
--> ( 1 ) الحسو : من الاحتساء أي الشرب .